يشكل المدنيون الضحايا الرئيسيين لانتهاكات القانون الدولي الإنساني التي ترتكبها الدول وأطراف النزاع من غير الدول في النزاعات المسلحة المعاصرة. وما فتئت طبيعة النزاعات المسلحة المعاصرة تفرض تحديات حيال تطبيق القانون الدولي الإنساني واحترامه في عدة مجالات تتراوح بين تصنيف النزاعات المسلحة وصولاً إلى استخدام التقنيات الحديثة. وهناك حاجة لفهم تلك التحديات والاستجابة لها من أجل ضمان استمرار القانون الدولي الإنساني في أداء مهمته في توفير الحماية في حالات النزاع المسلح.

لقد أثار التعقيد المتزايد للنزاعات المسلحة نقاشات حول مفهوم النزاعات المسلحة وأنواعها، بما في ذلك ما إذا كان تصنيف القانون الدولي الإنساني للنزاعات المسلحة إلى نزاعات مسلحة دولية ونزاعات مسلحة غير دولية يكفي لتناول أصناف النزاعات المسلحة التي تجري في الوقت الراهن. وتعتقد اللجنة الدولية أن هذا التصنيف كافٍ، وتقر في الوقت نفسه بوجود عدد متزايد من السيناريوهات الواقعية المختلفة التي يجوز تصنيفها على أنها نزاعات مسلحة غير دولية.

مازال للتفاعل بين القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان تداعيات فعلية على سير العمليات الحربية. وتؤثر العلاقة بين قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني على القضايا ذات الصلة بالاحتجاز، فضلاً عن استخدام القوة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء، وكذلك استهداف الأشخاص خارج الحدود الإقليمية.

ولا يزال نطاق الحماية الذي يوفره القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة المعاصرة مسألة تحظى باهتمام بالغ. وتكون الدول إما غير قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للمدنيين في العديد من الحالات أو غير راغبة في ذلك. وينص القانون الدولي الإنساني في مثل هذه الحالات على جواز اضطلاع جهات فاعلة أخرى بأعمال الإغاثة، بما في ذلك المنظمات الإنسانية، شريطة موافقة الدولة. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من العقبات أمام وصول المساعدات الإنسانية، منها الشواغل العسكرية والسياسية والأمنية التي تعوق تقديم المساعدات لمن يحتاجها من المدنيين.

أفرزت العمليات العسكرية خارج الحدود الإقليمية خلال السنوات الأخيرة أشكالاً جديدة من الوجود العسكري داخل إقليم الدولة، وأعادت الأنظار إلى حقوق دولة الاحتلال وواجباتها، وإلى تنظيم استخدام القوة داخل الإقليم المحتل، وانطباق قانون الاحتلال على القوات التابعة للأمم المتحدة. وتطورت أيضًا المسؤوليات والمهام الموكولة إلى القوات متعددة الجنسيات لتشمل طيفًا من العمليات يتضمن منع نشوب النزاعات وحفظ السلام وصنع السلام وفرض السلام وبناء السلام. وتشير الطبيعة متعددة الجوانب لهذه العمليات أن القوات متعددة الجنسيات ستلجأ إلى استخدام القوة على الأرجح، وتثير تساؤلاً كذلك حول وقت وكيفية تطبيق القانون الدولي الإنساني على أفعالها.

دخل نسق متنوع من التقنيات الجديدة ساحات القتال الحديثة، فقد أفسح الفضاء الإلكتروني المجال لإمكانية شن نوع جديد من الحروب، في حين ازداد استخدام أطراف النزاعات المسلحة لمنظومات الأسلحة التي يُتحكَّم بها عن بعد مثل الطائرات بدون طيار. ويزداد استخدام منظومات الأسلحة الأوتوماتيكية، وتجري دراسة أنظمة ذاتية بعينها مثل الروبوت المقاتل من أجل استخدامها في ساحات القتال في المستقبل. ليس هناك ثمة شك في انطباق القانون الدولي الإنساني على هذه الأسلحة الجديدة وعلى استخدام التكنولوجيا الحديثة في الحرب. ومع ذلك، تطرح وسائل وأساليب الحرب الجديدة تلك تحديات قانونية وعملية في ما يخص ضمان استخدامها على نحو يمتثل لقواعد القانون الدولي الإنساني القائمة وإيلاء الاعتبار الواجب للتداعيات الإنسانية المتوقعة جراء استخدامها.

تعد أيضًا العمليات العدائية التي تقوم بها جماعات مسلحة من غير الدول تعمل داخل مناطق مأهولة بالسكان ضد قوات حكومية تستخدم وسائل عسكرية أكثر تفوقًا بكثير أحد الأنماط المتكررة التي يتعرض فيها المدنيون والأهداف المدنية لتبعات العمليات العدائية. وقد استغلت بعض الجيوش التداخل بين الجماعات المسلحة والمدنيين، الذي يمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، كمسوغ لتجنب اتخاذ جميع التدابير الاحترازية الممكنة لتقليل المخاطر بين صفوف المدنيين على النحو المطلوب في القانون الدولي الإنساني. ومازالت آثار استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المكتظة بالسكان على المدنيين والهياكل المدنية تشكل مصدرًا للقلق في هذا السياق.

ويُعتبر  عدم التنظيم الكافي لتوافر الأسلحة التقليدية وسوء استخدامها تحديًا مستمرًا أمام توفير الحماية للمدنيين. فالدول ملزمة بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي العرفي بكفالة احترام القانون الدولي الإنساني، ويشمل ذلك مسؤوليتها عن كفالة عدم وقوع الأسلحة والذخائر التي تنقلها في نهاية المآل في حوزة أشخاص من المحتمل أن يستخدمونها في انتهاك القانون الدولي الإنساني. وتهدف معاهدة تجارة الأسلحة التي تدعمها اللجنة الدولية إلى معالجة بعض تلك المخاوف.

أحد التحديات التي برزت مؤخرًا أمام القانون الدولي الإنساني هو نزعة الدول إلى وسم جميع الأعمال القتالية التي تشنها الجماعات المسلحة من غير الدول ضدها، لا سيما في النزاعات المسلحة غير الدولية “بالإرهابية”. وينظر الآن إلى النزاع المسلح والأعمال الإرهابية على أنهما مرادفان تقريبًا، على الرغم من أنهما شكلان مختلفان من أشكال العنف تحكمهما مجموعة مختلفة من القوانين، وذلك بسبب الخلط المستمر بينهما في المجال العام. ويتسبب استخدام مصطلح “عمل إرهابي” في سياق قضايا النزاعات المسلحة في حدوث خلط بين مجموعتين منفصلتين من القوانين، وقد يؤدي ذلك إلى حالة تتغاضى فيها الجماعات المسلحة من غير الدول عن قواعد القانون الدولي الإنساني لتصورها أنه لا يوجد لديها دافع للالتزام بقوانين الحرب وأعرافها. إن تسمية بعض الجماعات المسلحة من غير الدول “بالجماعات الإرهابية” له أثار ضمنية كبيرة على التعهدات الإنسانية وقد يعوق العمل الإنساني كذلك.

يواجه القانون الدولي الإنساني تحديات مستمرة جراء تطور النزاعات المسلحة المعاصرة. ويعتمد تحقيق حماية أكبر للمدنيين في النزاعات المسلحة على احترام القانون الدولي الإنساني وتنفيذه وإنفاذه. وستظل الأولوية الدائمة بالنسبة للجنة الدولية هي ضمان قدرة القانون الدولي الإنساني على معالجة واقع الحرب الحديثة بصورة ملائمة وتوفير الحماية لضحايا النزاعات المسلحة.